خبز و حشيش و قمر!
دائمًا ما أعود إلى هذه القصة، ففيها خلاف فكري وثقافي يعكس انقسامًا مجتمعيًا في سوريا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
أبطال القصة نخبة من رجال المجتمع السوري، ومسرحها قاعة البرلمان، حيث دار حوار ديمقراطي مميز نفتقده اليوم في حياتنا السياسية.
في 2 نيسان/أبريل 1955، وجّه النائب عن حلب حسين الشعباني مساءلة إلى وزير الخارجية السوري آنذاك خالد العظم بشأن ما اعتبره إساءة لسمعة البلاد من قبل أحد موظفي الوزارة، وهو نزار قباني، بسبب قصيدته "خبز وحشيش وقمر".
وصف الشعباني القصيدة تحت قبة البرلمان بأنها "وقحة"، واعتبر أن تصرف الموظف لا يليق بتمثيل سوريا ولا ينسجم مع الأخلاق العامة والاعتقادات الدينية، وطالب بإحالته إلى القضاء لـ"ينال جزاء استهتاره بسمعة بلاده وكرامتها ومُثلها العليا".
في ذلك الوقت، كان نزار قباني موظفًا شابًا في السلك الدبلوماسي، يعمل في السفارة السورية في لندن، وشاعرًا غير معروف بعد، ينشر قصائده في المجلات الأدبية، ومنها هذه القصيدة التي نُشرت عام 1954 في مجلة "الآداب" اللبنانية.
القصيدة حملت نقدًا اجتماعيًا لاذعًا، وصُوّرت حينها على أنها تهجم على التقاليد الدينية والاجتماعية في المجتمع السوري.
ونظرًا لعدم استجابة وزارة الخارجية لمطالب النائب الشعباني، عاد النائب عن حلب الدكتور مصطفى الزرقا، في جلسة 14 حزيران/يونيو 1955، ليوجه استجوابًا جديدًا، قال فيه:
"ما ذا أقول عن وزارة الخارجية؟ لقد لفتنا نظرها إلى موضوع قومي قبل أن يكون دينيًا. أحد ممثلينا في الخارج، نزار قباني، نشر قصيدة انحلالية تُظهر الشعب العربي في أقبح صورة. هذه وثيقة كانت إسرائيل لتدفع ملايين الجنيهات للحصول عليها... لكنها جاءت من موظف عندنا. رجونا الوزير مرارًا أن يتخذ إجراءات، لكننا لم نلقَ جوابًا."
ثم تلا الشيخ الزرقا القصيدة كاملة تحت قبة البرلمان، ما أثار جدلًا واسعًا في الجلسة.
اعترض فاخر الكيالي، وزير الاقتصاد الوطني ووزير الخارجية بالوكالة، على وصف الوزارة بـ"الدعارة"، قائلاً:
"إنني أحتج على هذه الكلمات، هذا كلام مردود. هذه وزارة وليست دعارة."
فتدخل رئيس المجلس ناظم القدسي داعيًا إلى التهدئة:
"نرجو الابتعاد عن الألفاظ الجارحة، نحن هنا لنتباحث ونوجه، لا لنتقاتل."
في المقابل، أيد عدد من النواب ما طرحه الزرقا، ومنهم:
أكرم الحوراني
أحمد إسماعيل
هايل سرور
الذين اعتبروا القصيدة خرقًا للأخلاق العامة، وخطرًا على المجتمع.
رد خالد العظم: نزاران في الوزارة
يروى عن نزار قباني، أنه و بعد جلسة الاستجواب، زار بعض النواب وزير الخارجية خالد العظم مطالبين بإحالته إلى لجنة تأديبية.
لكن العظم طلب أولًا الاطلاع على ملف نزار الوظيفي، وبعد قراءته قال عبارته الشهيرة:
"في وزارة الخارجية نزاران: نزار قباني الموظف، ونزار قباني الشاعر. الأول ملفه ممتاز، أما الثاني، فقد خلقه الله شاعرًا، وأنا كوزير لا سلطة لي عليه... فإذا هجَتْكم قصيدة، فهجوه بقصيدة مضادة، وكفى الله المؤمنين شر القتال."
عن القصيدة:
"خبز وحشيش وقمر" من أشهر ما كتبه نزار قباني في بداياته، وقد أثارت جدلاً حادًا بين التيارات الدينية والاجتماعية آنذاك، لأنها لامست جوهر التناقض بين "القداسة الشعبية" و"المسؤولية الفكرية"، وعرّت التناقضات بين الفقر، والجهل، والإيمان الاستهلاكي المريح.
"أيها الربّ الرخاميّ المعلّق.. أيها الشيء الذي ليس يُصدّق، دمتَ للشرق عنقودَ ماس. للملايين التي عطّلت فيها الحواس."
النتيجة:
ما أجمل أن تنتقل النزاعات الفكرية إلى المكان الطبيعي لها: البرلمان، حيث يُعالجها ممثلو الشعب بالحوار، لا بالتحريض ولا بالقمع. وهذا ما نفتقده في سوريا منذ عام 1963
الصور:
-صورة من محضر الجلسة: من موقع دار الوثائق الرقمية السورية
-صورة نادرة أمام جامعة دمشق (1956) تجمع: خالد العظم مصطفى الزرقا,
الدكتور معروف الدواليبي (رئيس وزراء سوريا لاحقًا), الدكتور مصطفى السباعي (أحد واضعي دستور 1951), الدكتور أحمد السمان (رئيس جامعة دمشق).
جميعهم رجال قانون وفكر، تركوا مؤلفات كبيرة في الشريعة والقانون.
تعليقات
إرسال تعليق